ساهر عريبي - إعلامي -  لندن
ساهر عريبي – إعلامي – لندن

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الثانية لإسقاط السلطات في البحرين الجنسية عن 31 ناشطا بحرانيا، من بينهم أعضاء سابقون في البرلمان، كالأخوين جواد وجلال فيروز، ومعارضون سياسيون بارزون، وفي طليعتهم الدكتور سعيد الشهابي، وأكاديميون كالدكتور عبدالهادي خلف أستاذ علم الإجتماع في جامعة لوند السويدية، وهو ممن ساهم في كتابة أول دستور للبلاد بعد استقلالها عام ١٩٧١، فضلا عن عدد من الناشطين الآخرين.

ولم تكتف السلطات بنزع الجنسية عن هؤلاء بل خولت وزارة الداخلية نزعها عن كل من “يشكل تهديدا للأمن الوطني”، وفي ذلك مخالفة صريحة لقانون الجنسية في البحرين وللدستور وللمواثيق والأعراف الدولية التي ضيقت مساحة هذا النوع من الإجراءات والى أقل حد ممكن. غير أن السلطات أضافت هذا النوع من القرارات إلى أحكام السجن التي تصدرها المحاكم بحق الناشطين حتى بلغ عدد من صدرت بحقهم مثل تلك الأحكام ١٨ شخصا خلال هذا العام.

ولا يبدو إجراء إسقاط الجنسية بالجديد في هذه المنطقة من العالم. فقد سبقت نظام الحكم في البحرين عدد من الدول في تطبيقه وخاصة في العراق خلال فترة حكم حزب البعث  أواخر القرن المنصرم. فقد أسقط نظام البعث في أوائل السبعينات من القرن الماضي الجنسية العراقية عن آلاف العراقيين بحجة أن أصولهم إيرانية وجرت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وتم إبعادهم لإيران في زمن الشاه آنذاك، وعندما كان أحمد حسن البكر رئيسا للعراق.

وأما خلفه صدام حسين فسار على ذات النهج، غير أنه لم يكتفِ بإسقاط جنسية الآلاف وترحيلهم لإيران، بل اعتقل وأعدم آلاف  الشباب منهم،  وترك الآخرين يسيرون عبر حقول الألغام في ذروة الحرب العراقية الإيرانية، حيث قُتل العديد منهم في رحلة الموت تلك.

ومما يلاحظ على مثل هذه الإجراءات، أن الحكومات القمعية والدكتاتورية عادة ما تلجأ لها وتستخدمها كسلاح ضد المعارضين أو ضد مجموعات عرقية أو مذهبية، إما لدوافع انتقامية من المعارضين أو كنوع من العقوبات الجماعية أو تطبيقا لسياسات التطهير العرقي والطائفي و كما حصل في العراق.

ومما يلاحظ أيضا أن السلطات القمعية تلجأ لهذا السلاح عندما تمر بحالة حرجة بسبب المطالبات الشعبية بالعدالة والمساواة والديمقراطية. فقد أقدم المقبور صدام حسين على مثل هذا الإجراء بعد انطلاق تظاهرات في مختلف أنحاء العراق تطالب بالحرية والمساواة والتي قمعتها السلطات في حينها، وخاصة انتفاضة صفر المجيدة أواخر السبعينات. ولذا فكانت السلطات تعزف على أسطوانة التبعية لإيران، لتتهرب من الإستجابة للمطالب الجماهيرية، وفضلا عن ذلك فإنها تضفي صفة الطائفية على الحراك الشعبي لأن المظلومين ينتمون لطائفة معينة.

ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه ولكن في البحرين هذه المرّة. فسلطات العائلة الخليفية تسير على ذات النهج الصدامي في التعاطي مع الحراك الشعبي المتواصل في البلاد ومنذ العام ٢٠١١. فهي تتهمه بالتبعية لإيران وبأنه حراك طائفي، وهي تمارس ذات الأساليب الصدامية في قمعه. ولربما يظن أحد بأن لا مقايسة بين سلطات آل خليفة ونظام صدام. وفي الواقع  لا فرق بين الإثنين على صعيد القمع. والفارق الوحيد هو أن نظام صدام كان يرتكب جرائمه بعيدا عن أنظار المجتمع الدولي مع عدم بدء الثورة المعلوماتية التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، وأما اليوم فهناك من يراقب ويسجل حقيقة ما يجري على الأرض في البحرين، وهو الذي شكل عائقا أمام السلطات لمنافسة صدام حسين في قمعه ووحشيته، وإلا فإن هذه السلطات تهتدي بسيرة صدام، بل إن رئيس الوزراء خليفة سلمان الخليفة من أشد المعجبين بشخصية الطاغية المقبور صدام وكان يرفع صورته في مكتبه.

جميع تلك الإجراءات الصدامية، وبضمنها إسقاط الجنسية عن المعارضين، لم تحل دون سقوط النظام، ولم تفلح في منع التغيير الذي وقع، بالرغم من الحماية الدولية التي كان يتمتع بها صدام من لدن القوى الكبرى. فضلا عن أن هؤلاء الذين أسقط صدام الجنسية عنهم، عادوا الى أرض الوطن وتسلم العديد منهم مقاليد الحكم في العراق. وتلك سنة تاريخية تعود جذورها الى أيام الدعوة الإسلامية عندما استولت قريش على أموال المهاجرين ومقتنياتهم وطردت عوائلهم من محال سكناها غير انهم عادوا معززين منصورين ليدخلوا فاتحين لمكة المكرمة وليطهروها من دنس الطغاة.

إن سلاح اسقاط الجنسية البائس لا تستخدمه سوى الأنظمة التي تقترب من نهايتها فهو مؤشر على أن الأزمة التي تعيشها وصلت لذروتها، وأن سقوطها حتمي وإن كانت مدعومة من القوى الكبرى، فالله أكبر والنصر حليف المظلومين والمستضعفين وإن طال الزمن.

وكالة انباء البحرين اليوم – التاريخ